محمد متولي الشعراوي

636

تفسير الشعراوي

وكفروا بما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عرفوا ولكنهم كتموا ما يعرفونه . . ولذلك يقول اللّه سبحانه وتعالى عنهم : « وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » . . وساعة تقول كتم الشئ . . فكأن الشئ بطبيعته كان يجب أن يبرز وينتشر . . والحق بطبيعته لا بد أن يبرز وينتشر ولكن إنكار الحق وكتمه يحتاج إلى مجهود . إن الذين يحققون في القضايا الدقيقة يحاولون أن يمنعوا القوة أن تكتم الحق . . فيجعلون من يحققون معه لا ينام حتى تنهار قواه فينطق بالحقيقة . . لأن النطق بالحق لا يحتاج إلى مجهود ، أما كتم الحق فهو الذي يحتاج إلى مجهود وقوة ، وعدم النطق بالحق عملية شاقة . . ولكن اللّه سبحانه وتعالى يقول : « لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » . . أي أنهم ليسوا جاهلين ولكنهم على علم بالحقيقة . . والحق من اللّه فهل يستطيع هؤلاء كتمانه ؟ طبعا لا ، لا بد أن يظهر . . فإذا انتشر الكذب والباطل فهو كالألم الذي يحدث في الجسد . . الناس تكره الألم ولكن الألم من جنود الشفاء لأنه يجعلك تحس أن هناك شيئا أصابه مرض فتتجه إليه بأسباب العافية . إن أخطر الأمراض هي التي لا يصاحبها ألم ولا تحس بها إلا بعد أن يكون قد فات وقت العلاج . . والحق دائما غالب على أمره ولذلك لا توجد معركة بين حقين . . أما الباطل فتوجد معركة بين باطل وباطل . وبين حق وباطل . لأنه لا يوجد إلا حق واحد أما الباطل فكثير . . والمعارك بين الحق والباطل تنتهى بهزيمة الباطل بسرعة . . ولكن الذي يطول هو معركة بين باطلين . . ولذلك فإن معارك العصر الحديث تطول وتتعب الدنيا . . فمعارك الحرب العالمية الثانية مثلا لازالت آثارها ممتدة حتى الآن في الحرب الباردة وغير ذلك من الحروب الصغيرة . . ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) « 1 » .

--> ( 1 ) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس .